الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

112

انوار الأصول

من مجموع أدلّة الأحكام والإجماعات الحاصلة بين الفقهاء أنّ الحلّ القريب من الكلّ من التكاليف عدم كونها فعلية من جميع الجهات ، ولذا نلاحظ استثنائها وتخصيصها بالعناوين الثانوية كالاضطرار والإكراه والتقيّة وغيرها ، فما دام لم يعلم بالعلم التفصيلي أمكن إجراء الأصول المرخّصة أو الأدلّة الخاصّة الواردة فيها أو في مورد العلم التفصيلي تحت عنوان « العناوين الثانوية » . نعم يستثنى منها موارد الدماء وشبهها ، فيمكن أن يقال بأنّها فعلية من جميع الجهات ، أي إن كان المورد من قبيل الدماء وشبهها كان الحكم فعليّاً من جميع الجهات ، فإذا علم إجمالًا مثلًا بوجود دم محقون مردّد بين شخصين : أحدهما : مؤمن متّقٍ ، والآخر : كافر يكون العلم الإجمالي منجّزاً للتكليف . بل وكذا الحال في الشبهات البدوية منها ، فإنّ الاحتياط واجب فيها ، ولذا لا تجري فيها أحكام العناوين الثانوية كالتقيّة ومثلها كما ورد في الحديث : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقيّة » « 1 » ، بخلاف ما إذا كان المورد كالمائع النجس الدائر بين الإنائين فإنّه يمكن ورود الترخيص فيها إمّا بمقتضى أدلّة الأصول ( على القول به ) أو بعنوان « العناوين الثانويّة » . لكن مسألة الدماء أيضاً ليست فعلية من جميع الجهات لانتقاضها بمسألة التترّس في الجهاد كما لا يخفى ، فإنّ المعروف حينئذٍ هو جواز القتل حتّى إذا كان الدم المحقون معلوماً تفصيلًا . ثمّ إنّه تصدّى في تهذيب الأصول لتوجيه التكرار الحاصل في المقام في كلمات القوم حيث إنّهم تارةً يبحثون عن العلم الإجمالي في مبحث القطع وأخرى في مبحث الاشتغال ، فقال : « إذا علمنا حرمة شيء أو وجوبه لا بعلم وجداني بل بشمول اطلاق الدليل أو عمومه على المورد كما إذا قال : « لا تشرب الخمر » وشمل بالإطلاق على الخمر المردّد بين الإنائين فهل يمكن الترخيص بأدلّة الأصول بتقييد اطلاق الدليل أو لا ؟ وهذا هو الذي ينبغي أن يبحث عنه في المقام ( مبحث الاشتغال ) ومثله إذا علم إجمالًا بقيام حجّة على هذا الموضوع أو ذاك ، كما إذا علم بقيام أمارة معتبرة إمّا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة » وقال في صدر كلامه : « إذا علم

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 11 ، أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ، الباب 31 ، ح 1 .